يسود في الأوساط الرياضية والقانونية اعتقاد راسخ بأن اللوائح الدولية (كالاتحاد الدولي لكرة القدم – الفيفا) تحظر بشكل قاطع لجوء الأفراد أو الأندية إلى المحاكم العادية للدولة.
لكن، عند التدقيق في التشريعات والأحكام القضائية العربية (الإمارات، عُمان، الكويت)، نجد أن هذا الحظر ليس مطلقاً؛ بل هو مقيد بنطاق سلطة القانون الوطني وسيادة القضاء.
متي نذهب للمحكمة ومتي نكتفي ب اللجنة؟
القانون في مجال الرياضة يقوم علي مبدأ بسيط وهو ان المشاكل الداخلية و التأديبية تحلها الاتحادات الرياضية (اللجان) اما الجرائم الخطيرة و الأمور المالية الكبيرة فتذهب الي المحكمة.
أهم الاستثناءات والمبادئ القانونية التي تحدد هذا التداخل:
القاعدة الأساسية هي حظر اللجوء للقضاء العادي في المنازعات الرياضية البحتة و الالتزام بالتحكيم، التزاما بمبدأ استقلال الحركة الرياضية.
يستثني من ذلك جواز تدخل القضاء العادي في الأمور ذات الطبيعية الجنائية او المدنية/المالية، والطعن علي القرارات الإدارية شريطة توافر الضوابط القانونية لصفة الحكم.
حدود سلطة الاتحادات والتحكيم الرياضي
تنص اللوائح (مثل المادة 76 من النظام الأساسي الدولي) على أن المسائل المتعلقة بشؤون كرة القدم يجب أن يتم حسمها عن طريق التحكيم الرياضي وليس القضاء العادي.
وقد أُسست هيئات متخصصة لهذا الغرض (مثل هيئة التحكيم الرياضي في الكويت).
·التكييف الإداري (عُمان): أكدت أحكام القضاء الإداري في سلطنة عُمان أن اختصاص الاتحاد يقتصر على تنظيم اللعبة والإشراف عليها في مرفق عام للدولة (المرفق الرياضي). هذا التكييف يضع القرارات ضمن إطار تنظيمي يخرجها من اختصاص المحكمة الإدارية في بعض الحالات.
· اللجوء للتحكيم (الإمارات): تؤكد التشريعات الاتحادية في الإمارات على أن الطريق الحصري لحسم المنازعات النهائية، أو تلك المتعلقة بالالتزامات التعاقدية التي تتضمن شرط التحكيم، هو مركز التحكيم الرياضي المُنشأ بموجب القانون.
سقوط الحظر أمام الجريمة
· يُعتبر هذا هو الاستثناء الأقوى؛ حيث لا يمتد الحظر اللائحي ليشمل أي واقعة تتخذ صفة الجريمة المعاقب عليها وفقاً لقانون العقوبات الوطني.
·سيادة القانون الجنائي: في حال ارتكاب أفعال مثل السب والقذف، التعدي الجسدي مثل واقعة حسين الشحات مع الشيبي، الاحتيال، أو خيانة الائتمان (كما أشارت واقعة نادي الزمالك للاعب جدو الذي ادعى انهم قاموا بملء إيصال الأمانة الموقع منه على بياض بمبلغ كبير) ، يصبح الاختصاص لـ النيابة العامة والقضاء الجنائي.
لا يجوز للاندية وأعضاء أجهزتها الإدارية والفنية واللاعبين والحكام اللجوء للسلطات الرسمية والمحاكم في كل نزاع رياضي يتعلق بكرة القدم ما لم يستنفذ جميع الإجراءات المنصوص عليها في لوائح الاتحاد عدا حالات التعدي الجنائي
حيث لا يمكن لأي عقوبة تأديبية يفرضها الاتحاد أن تحجب سلطة القضاء الجنائي أو تمنع تحريك الدعوى العامة.
القرار التأديبي ليس حكماً قضائياً.
وان قرارات لجان الانضباط أو الأجهزة التأديبية هي في الأساس إجراءات إدارية أو عقوبات تأديبية صادرة من جهة تنظيمية، وليست جهة قضائية.
(نقض أبو ظبي): أكدت أحكام محكمة النقض في أبو ظبي أن القرار التأديبي لا يُعتبر حكماً قضائياً، وبالتالي:
لا يمكن الدفع بـ “عدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها مبدأ “Double Jeopardy”) )استناداً لقرار لجنة الانضباط، لأن هذا المبدأ يتطلب صدور حكم قضائي نهائي من محكمة مختصة.
ان الحكم الذي ينقضي بيه الدعوي الجزائية يشترط عدة خصائص:
ان يكون الحكم قضائيا
ان يكون الحكم نهائيا
ان يكون الحكم قطعيا
ان يكون صادرا من محكمة مختصة
ان يكون قد فصل في الواقعة في منطوقه وحيثياته الجوهرية
يشترط للدفع بعدم جواز العودة للمحاكمة:
ان يكون قد سبق محاكمة الشخص وصدر حكم بالبراءة او الإدانة امام محكمة مختصة.
ان يكون بين المحاكمتين اتحاد في المتهم وفي الجريمة بمعني ان تكون الواقعة هي نفسها في الحالتين اما اذا كان لكل منهما ذاتيه خاصه فلا ينطبق النص.
ويفتقر قرار اللجنة للشروط اللازمة للحكم القضائي (كأن يكون نهائياً، وصادراً عن جهة قضائية ذات ولاية)
حيث هذا الفصل يفتح الباب أمام القضاء العادي للنظر في المنازعة، أو في جوانبها غير التأديبية، لأن القرار الصادر عن الهيئة الرياضية ضعيف أمام ولاية القضاء الأصيلة.
ومن ثم لا يمكن للجنة ان تحل محل القضاء فإن العقوبة الرياضية لا تعني براءة قانونية فإذا عاقبت لجنة الانضباط لاعبا بالإيقاف والغرامة فهذه عقوبة تأديبية لا تمنع القضاء الجنائي من محاكمته مرة اخري اذا كانت الجريمة جنائية.
ولا يمكن اعتبار قرار الإيقاف كحكم نهائي حيث ان المحكمة لا تعتبر قرار لجنة الانضباط الذي صدر من غير قاضٍ بمثابة حكم قضائي سابق يمنعها من النظر في الدعوي.
فإن الحظر المفروض على اللجوء إلى القضاء العادي هو حظر نسبي ومحدود للغاية. يبقى القضاء الوطني هو صاحب الكلمة العليا والملاذ الأخير لحماية الحقوق عندما تخرج المنازعة من نطاق اللائحة الرياضية وتدخل في إطار الجريمة الجنائية، أو عندما يتعلق الأمر بالطعن في قرار لا يرقى لمرتبة الحكم القضائي.
وهكذا فان حظر اللجوء الي القضاء لحسم المنازعات الرياضية لا يمتد الي المنازعات ذات الصبغة الجنائية والتي ينعقد الاختصاص بشأنها للقضاء. فاذا سلمنا بذلك، فان التساؤل يثور عما اذا كان من الملائم انشاء محاكم جنائية متخصصة او تخصيص دوائر قضائية معينة للنظر في الجرائم الرياضية.
مراجعة من كتاب القانون الجنائي للألعاب الرياضية للدكتور احمد عبد الظاهر
