هل تصوير السلاح جريمة؟ تهافت الحجية الجنائية للصورة في القانون المصري

:شارك المقال من خلال

مدى حجية صورة السلاح كدليل إدانة في القانون المصري

تهافت الدليل الرقمي في جرائم الأسلحة

إشكالية ضبط السلاح وفحصه في عصر الذكاء الاصطناعي

دراسة في عدم كفاية الدليل الرقمي وتداعي أركان الجريمة

لماذا لا تكفي (الصورة) دليلاً للإدانة بحيازة السلاح؟

لا تعتبر صورة السلاح دليلاً كافياً للإدانة في القانون المصري، لانتفاء الضبط المادي واستحالة الفحص الفني للسلاح من خلال مجرد بكسلات رقمية.

القاعدة الأصولية “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص

بين مادية السلاح ووهمية الصورة: قراءة في تهافت أدلة التجريم الرقمي:

تنهض العدالة الجنائية في جوهرها على “قدسية المادة” ويقين الدليل؛ فلا عقوبة تنهض على الظن، ولا إدانة تستقيم ما لم يكن قوامها واقعة مادية ملموسة لا يتطرق إليها الاحتمال.

 ومع تداخل الواقع المادي بالعالم الافتراضي، برزت إشكالية قانونية بالغة التعقيد تتمثل في محاولة إخضاع “المظاهر الرقمية” — كالتصوير بالأسلحة — لمنطق التجريم الجنائي التقليدي، وهو ما خلق فجوة بين صرامة النص التشريعي وبين مرونة الفضاء الإلكتروني.

إن هذه الدراسة لا تبحث في مجرد فعل “النشر” أو “الاستعراض”، بل تغوص في المنطقة الرمادية حيث يصطدم “الخيال البصري” بمتطلبات “الركن المادي” للجريمة.

 فنحن هنا بصدد تفكيك أزمة قانونية معاصرة تطرح تساؤلاً جوهرياً:

 هل يمكن لصورة مجردة، مسلوبة الروح المادية وقابلة للتلاعب والتشكيل التقني، أن تنوب عن الضبط الحقيقي والفحص الفني؟

وهل يستقيم في ميزان العدالة أن تتحول “اللقطة المرئية” التي قد لا تعدو كونها وهماً أو خداعاً بصرياً  إلى قيدٍ يغل قرينة البراءة الأصلية؟

إننا نسعى من خلال هذا الطرح إلى إعادة الاعتبار لمبدأ “يقين الدليل الجنائي” في مواجهة موجة التوسع في تجريم الافتراضات؛ فالقانون الذي يحمي المجتمع من السلاح، هو ذاته القانون الذي يحمي الأفراد من تجريم “الأخيلة”، مؤكدين على أن العدالة التي تفتقد لليقين المادي هي عدالة تفتقد لشرعيتها، خاصة في عصرٍ بات فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على صياغة “واقع موازٍ” لا صلة له بالحقيقة.

أولاً: استعصاء الفحص الفني (شرط صلاحية السلاح للاستخدام)

من المقررات القانونية في قضاء محكمة النقض أن جريمة “حيازة سلاح بدون ترخيص” تتطلب أن يكون السلاح مضبوطاً وصالحاً للاستعمال.

حيث الصورة لا تُفصح عن كينونة السلاح المادية؛ فلا يمكن للطب الشرعي أو المعمل الجنائي فحص “صورة” لبيان ما إذا كان السلاح “شغالاً” من عدمه.

 وحيث أن العقوبة تُبنى على اليقين لا الشك، فإن عدم ضبط السلاح وفحصه فنياً يجعل من تهمة الحيازة تهمة قائمة على “الظن المحض” الذي يفسره القانون دائماً لصالح المتهم.

ثانياً: انعدام حالة التلبس (إشكالية الضبط والإحراز)

الجريمة الجنائية هي واقعة مادية تتطلب “ضبطاً وإحرازاً”. فالصورة الرقمية مهما بلغت دقتها، لا تعتبر “حالة تلبس” بالجريمة.

إن غياب حالة التلبس أو الضبط المادي للسلاح في حوزة المتهم يحرم جهة التحقيق من الدليل المادي الوحيد؛ فالصورة قد تعبر عن زمن ماضٍ، أو مكان مجهول، أو أداة لا يملكها الشخص الظاهر فيها.

وبدون وضع السلاح في “حرز” قانوني تحت يد جهات التحقيق وفحصه، تظل التهمة تفتقر إلى موضوعها المادي.

 فكيف يُعاقب شخص على حيازة “شيء” لم يُقبض عليه به، ولم يُثبت وجوده المادي في حيز سيطرته؟ إن الاستناد للصورة كبديل عن الضبط هو إهدار لمبدأ “عينية الجريمة”، وتحويل للمحاكمة الجنائية إلى محاكمة على “مظاهر افتراضية” تفتقر لأبسط مقومات الواقعة المادية.

ثالثاً: حجية الدليل الرقمي في زمن الذكاء الاصطناعي (AI)

في ظل الثورة التقنية الحديثة، تهاوت حجية “الصورة” كدليل إدانة قاطع.

إن تقنيات المحاكاة الرقمية قادرة اليوم على دمج الأشخاص بأسلحة أو أدوات وهمية لدرجة يستحيل معها على العين المجردة، بل وأحياناً على الخبراء، الجزم بصحة الصورة من عدمها.

 وحيث إن القاعدة الأصولية تقضي بأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال، سقط به الاستدلال، فإن مجرد احتمال أن تكون الصورة متركبة، أو معدلة، أو مولدة عبر تطبيقات تكنولوجية يُدخل القضية في نطاق “الشك اليقيني”. لذا، فإن اعتبار الصورة دليلاً كافياً للإدانة هو مغامرة قضائية غير مأمونة، إذ قد يُعاقب الشخص على “وهم بكسلي” من صنع خوارزمية، لا صلة له بالواقع المادي المحسوس.

رابعاً: انتفاء القصد الجنائي (غياب نية الترويع)

حتى لو افترضنا حقيقة السلاح، فإن “فعل التصوير” في بيئة خاصة أو بغرض الهواية لا يحمل في طياته “قصد استعراض القوة” المُنصوص عليه في المادة (375 مكرر) من قانون العقوبات.

الترويع يتطلب وجود “مجني عليه” و”نية لبث الرعب”.

إن جريمة استعراض القوة تتطلب بالضرورة توجيه فعل مادي ملموس نحو “مجني عليه” بقصد ترويعه أو إكراهه.

أما التصوير في إطار خاص، أو نشره كصورة شخصية تعكس نوعاً من الهواية أو المباهاة، فهو فعل “ساكن” يفتقر لروح العدوان ونية التهديد.

 إن تجريم الأفعال يهدف لحماية مصلحة قانونية؛ فإذا كان التصوير لا يتبعه ترويع مادي للغير، فإننا نكون بصدد “فعل تحضيري” لا يعاقب عليه القانون، فضلاً عن أن نية الشخص قد تتجه للفخر الزائف أو مجرد المحاكاة الدرامية، وهي نزعات نفسية لا يحاسب عليها القانون الجنائي ما لم تترجم إلى أفعال مادية تُلحق ضرراً حقيقياً ومباشراً بالنظام العام.

 أما مجرد اتخاذ وضعية تصوير معينة دون توجيه تهديد لشخص محدد أو جهة معينة، فهو فعل يفتقر إلى الركن المعنوي للجريمة، ويظل في دائرة “الأفعال المباحة” ما لم يثبت عكس ذلك بدليل مادي ملموس لا يقبل التأويل.

واخراً….

حدود اليقين في مواجهة الدليل الرقمي

تأسيسًا على ما تقدم من تأصيل قانوني وفني، نخلص إلى أن إقحام “فعل التصوير” في دائرة التجريم الجنائي دون ضبط مادي للسلاح يُعد خروجاً عن الأصول العامة في الإثبات، ومساساً مباشرًا على قرينة البراءة التي تلازم الشخص حتى تثبت إدانته بيقين لا يداخله شك.

فالعبرة في المحاكمات الجنائية هي بالحقائق الصارخة لا بالظنون المستنتجة من “بكسلات” رقمية قد لا تعكس الواقع بأي حال من الأحوال.

إن المنطق القانوني السليم يفرض عدم الاعتداد بالصورة الفوتوغرافية أو المقطع المرئي كدليل منفرد للإدانة بحيازة سلاح، وذلك لاستحالة إخضاع هذا الدليل للفحص الفني والمخبري الذي يتطلبه القانون؛ فالسلاح في عقيدة المشرع المصري ليس شكلاً مجرداً، بل هو “آلة ميكانيكية” ذات مواصفات فنية محددة وصلاحية فعلية للعمل، وهي أمور يستحيل على الطب الشرعي الجزم بها من خلال “خيال رقمي” في غيبة الجسم المادي للسلاح.

علاوة على ذلك، فإننا نعيش في عصرٍ تقني باتت فيه الحقيقة الرقمية “قابلة للتصنيع”؛ حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الواقع والتزييف بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي والمعالجات البصرية المتقدمة، وهو ما يفتح باباً واسعاً من الاحتمالات التي تُفسد استدلال جهات التحقيق وتنزع عن الصورة حجيتها المطلقة.

 فحين يتساوى احتمال كون السلاح “لعبة بلاستيكية” أو “جسماً وهمياً مولداً رقمياً” مع احتمال كونه سلاحاً حقيقياً، فإن الدليل هنا يصبح ظنياً، والقاعدة الأصولية المستقرة في قضاء محكمة النقض تقضي بأن

 الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال، سقط به الاستدلال.

ختاماً، إن العدالة الناجزة تقتضي الحذر الشديد من الانزلاق نحو “المحاكمات الرقمية” المبنية على المظاهر لا الجواهر.

 فما لم يتم ضبط السلاح حقيقةً، وفحصه فنياً، والتأكد من مطابقته لنصوص التجريم، يظل فعل التصوير في دائرة “الإباحة الأصلية” أو على الأقل في دائرة “الشك” الذي يوجب البراءة.

فالقانون لا يعاقب على “النية المستترة” خلف صورة، بل يعاقب على “الواقعة المادية” المكتملة الأركان، وهو ما لا يتحقق أبداً بمجرد النشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، حمايةً لحقوق الأفراد وصوناً لهيبة القانون من التأويلات القائمة على الافتراض الجنائي لا اليقين القضائي.

Scroll to Top